الحرب على الفقر بالأحلام
الثلاثاء, 07-مايو-2013
محمد كركوتي -

"الفقر، هو أسوأ أشكال العنف" مهاتما غاندي - الزعيم الهندي
يعيش رئيس البنك الدولي جيم يونج كيم، حلما جميلا على صعيد القضاء على الفقر في العالم. ومن الواضح أن لحلمه هذا أجنحة، تحمله فوق الحدائق والبساتين والواحات الخلابة فقط. ولا بأس من المرور في سماء واد يعج بالفراشات من كل الأشكال والألوان! إنه يدعو إلى التزام المجتمع الدولي بالقضاء على الفقر المدقع بحلول عام 2030، وليس هذا فحسب، بل وتحسين مستوى المعيشة لأكثر الناس عرضة للفقر، خصوصا أولئك الذين يعيشون في الدول النامية! واللافت أن رئيس البنك الدولي، يعرف الحقائق أكثر من غيره، ويعرف أيضا، أن الدعوات والتمنيات، وحتى المناشدات، وشيء من التهديدات، لا توفر الوقود اللازم للالتزام، ولا تدفع الأمور بالاتجاه المؤدي إلى الهدف الكبير. يضاف إلى ذلك، أن العالم يعيش منذ خمس سنوات تقريبا، اقتصادا جمع أكبر قدر من الهموم في زمن واحد متصل ومتواصل، باتت المخططات المستقبلية في ظله، مجرد أحلام كبيرة جدا، لكنها لا تلبث أن تتبخر أمام الواقع المعاش.
حظي الفقر حول العالم، بأكبر قدر من اهتمام أصحاب القرار كبارا وصغارا. لكن النظريات هي التي تسود هذا الاهتمام، إضافة -طبعا- إلى الخطابات الرنانة، والمناشدات العاطفية، والكلمات المؤثرة. ولو أمكن تحويل الكلمات التي قيلت في هذا الخصوص، إلى مال يُصرف، وتنمية تتحقق، وأمل يُدرَك، لتم الوصول إلى الأهداف التي وضعتها الأمم المتحدة على صعيد محاربة الفقر، قبل الموعد المحدد لها. وهي أهداف أطلق عليها ''أهداف الألفية''، وحددت لها التواريخ في مستوياتها القصوى، كمواعيد لتحقيقها. ولا شك في نوايا الجميع في هذا المجال، لكن دائما هناك شكوك على صعيد التنفيذ وأدوات المنفذين. فقد أضافت الأزمة الاقتصادية الكبرى ''من ضمن ما أضافت'' الشكوك حول كل شيء وأي شيء، ولاسيما في ظل تتابع المشكلات الناجمة عنها. فإذا كانت الدول التي من المفترض أن تقود عملية القضاء على الفقر المدقع، غير قادرة على السيطرة على موازناتها العامة، فكيف يمكن لها أن تسير نحو تحقيق الأهداف العامة في المعركة على الفقر؟
في عام 2000 وضعت الأمم المتحدة عام 2015 كحد أقصى لخفض عدد الفقراء في العالم إلى النصف. وتحركت بالفعل في كل الاتجاهات الممكنة، لكنها لم تحقق شيئا يذكر حتى قبل اندلاع الأزمة الاقتصادية، وذلك لأن الغالبية العظمى من المعنيين بأمر تسهيل تنفيذ أهداف الألفية، كانوا يجهدون أنفسهم في البحث عن مبررات التأخير، أكثر من العثور على الطرق المناسبة لبلوغ الهدف الأشمل. ولذلك، فقد بلغ عدد الذين يعيشون في فقر مدقع حول العالم 1.2 مليار نسمة. والفرد من هؤلاء يعيش على 1.25 دولارا أمريكيا في اليوم. غير أن هذا العدد تراجع حسب الإحصاءات التقريبية بمعدل 100 مليون شخص تقريبا، وتأرجح العدد الكلي في حدود الـ 1.1 مليار نسمة. لكن هذا التراجع، لم ينتج عن تقدم الحرب ضد الفقر، بل عن صعود دول مثل الصين والهند والبرازيل، التي استطاعت أن توفر فرص عمل أكثر لمواطنيها في السنوات القليلة الماضية. أي أن تناقص عدد الذين يعيشون في فقر مدقع، كان بأدوات محلية وطنية. دون أن ننسى، أن صعود الدول الناشئة المشار إليها، معرض للتراجع والتأثر بالحراك الاقتصادي العالمي المضطرب.
يقول الرئيس الأمريكي الراحل جون كيندي: ''إذا كان العالم الحر لا يستطيع إنقاذ الفقراء الكثر، لن يستطيع إنقاذ الأثرياء القلائل''. وقد تلكأ هذا ''العالم الحر'' كثيرا في العقود الماضية، على صعيد ''تلطيف'' كارثة الفقر، لكيلا نقول: حل الكارثة. وحتى المشاريع التي اعتمدتها بعض الدول الكبرى سابقا في هذا المجال، لم تكن ذات جودة عالية. فغالبية هذه المشاريع كانت مرتبطة بصورة أو بأخرى بحكومات فاسدة ناهبة في بلدانها. وكانت النتائج إما غائبة أو في أفضل الأحوال متواضعة. المشكلة الآن صارت أفظع. فدول ''العالم الحر'' تعيش أزمات اقتصادية متشعبة وطويلة الأمد، ما يوفر لها المبررات المطلوبة، لمواصلة التلكؤ والتقاعس. وهذا ما يعزز الاستنتاج المسبق لمصير أهداف الألفية الخاصة بمحاربة الفقر. فلم يتبق سوى عامين لحلول الموعد الذي حددته الأمم المتحدة في هذا المجال. والتقدم الوحيد الذي طرأ، لا دخل له بكل المخططات التي وضعتها المنظمات المعنية. بل ويعترف رئيس البنك الدولي نفسه، بأن النمو الذي تحقق في بعض البلدان، وساهم في تخفيض نسبة الفقر، ليس كافيا بمفرده لتحقيق الهدف، بما في ذلك تقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
هذا المشهد، يدفع لطرح سؤال كبير هو ''كم من الزمن يحتاج العالم للقضاء على الفقر المدقع''؟ وهذا السؤال لا يشمل الفقر الأقل معاناة وألما وحرمانا. المؤشرات كلها -دون استثناء- تدل على أن الفقر المدقع باق لأمد طويل، وأن العالم ربما سيشهد انضمام عدد جديد من البشر إلى هذه الطبقة من الفقراء، الذين يتمنون أن يطول النهار، تفاديا لآلام جديدة سيأتي بها نهار آخر.


*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.