هل الدولار القوي في مصلحة الولايات المتحدة؟
الثلاثاء, 09-ديسمبر-2014
جاري شيلينج -

يجمع المحللون أن القوة التي تدفع الدولار عالياً ستظل كما هي على المدى القصير . وبين كل ذلك فإن هناك تعمداً في تخفيض قيمة اليورو والين وضعف العملات المعتمدة على الصادرات وتباطؤ النمو في الصين واستراتيجيات الاقتراض المالية العالمية، مما جعل الدولار ملاذاً آمناً لمعالجة الأزمات الاقتصادية .
ومن المرجح أن تظل العملة الأمريكية قوية على المدى الطويل، وبلغ الدولار القمة في سباقه مع العملات الأخرى في العام 1985 ومن ثم تراجع بنسبة 52 في المئة في السنوات ال 25 التالية، ومنذ أغسطس/آب 2011 بدأ الدولار في الصعود نحو القمة التي وصلها الآن في حين أنه لم يستعد سوى 8 في المئة منذ الانخفاض الكبير الذي شهده سابقاً . وحتما ليس هناك ضمان أن يستعيد الدولار الطفرة الكبيرة التي شهدها في العام 1985 وحتى الآن فإن هناك أسباباً ملموسة لاحتمال أن يظل قوياً على المدى الطويل .
وترغب الصين في أن تصبح عملتها اليوان عملة عالمية ولكن ليس على حساب السيطرة الحكومية عليه . وقد حلت التنبؤات السابقة القائلة إن اليورو يمكنه منافسة الدولار محل القلق الذي يدور حول ما إذا كان الألمان والفرنسيون" يمكن أن يستمروا في استخدام اليورو . ولا توجد هناك أي سياسة مالية موحدة بمنطقة اليورو ومن المرجح أيضاً ألا يتم إيجادها مستقبلاً نظراً للتنوع الثقافي الواسع والاختلافات الاقتصادية الكبيرة .
وتقوم الحكومة اليابانية حالياً بخطوات محدودة لعولمة عملتها "الين" في حين أنها لا ترغب أساساً في أن تصبح عملة عالمية بحيث يكون من الصعب السيطرة عليها .
من الممكن أن تعتقد لوهلة أن قوة الدولار يمكن أن تؤدي إلى خفض النمو الاقتصادي بالولايات المتحدة عبر دعم وتشجيع الواردات رخيصة الثمن وخفض المزيد من الصادرات ذات الأسعار المرتفعة، إلا أن التأثيرات الفعلية ليست ذات أثر كبير حيث ستؤدي إلى ضغوط انكماشية . وحينما تكون العملة قوية فإن المصدرين لا يقومون بتحميل التكلفة الإضافية للمشترين، إنما يقومون باقتطاع تلك التكاليف من هامش الربح الخاص بهم لتجنب خسائر مبيعاتهم .
وعلى النقيض من ذلك فإن المستوردين لا يحولون ارتفاع قيمة العملة إلى المستهلكين، وهو ما يؤدي إلى زيادة هامش الربح الخاص بهم . وتفسر هذه الإجراءات السبب أن تقلب أسعار الاستيراد يمثل فقط حوالي ثلث تقلبات العملة .
ويعتبر النمو الاقتصادي العامل الرئيسي الذي يؤثر في الصادرات والواردات . وكلما نما الاقتصاد زاد ما يشتريه الناس من أي شيء وخصوصاً المنتجات المستوردة . إن العلاقة المتبادلة بين واردات الولايات المتحدة والدولار ضعيفة خلافاً للعلاقة القوية بين الصادرات والنتاج الإجمالي المحلي . وقد أظهرت النماذج التحليلية ارتفاع الواردات بنسبة 8 .2 في المئة مقابل 1 في المئة من الناتج المحلي، ولكنها انخفضت بما نسبته 5 .0 في المئة فقط مقابل كل ارتفاع يبلغ 1 في المئة للدولار .
وعلى الرغم من ذلك فقد أدى ارتفاع الدولار إلى تقليص عوائد الشركات . وبحسب مؤشر اس آند بي فإن 46 في المئة من الشركات المدرجة على المؤشر تتأتى عوائدها من الخارج مما يعني أن الدولار يلقي بظلال سلبية في جانبين اثنين، أولهما قوة الدولار بسبب ضعف الاقتصادات الأجنبية، وبالتالي ستقل المبيعات والأرباح . وثانيا أنه يتم تحويل العوائد الأجنبية إلى قيمة أقل بالدولار حينما يكون قوياً . كما تشمل الشركات الأمريكية ذات المخاطر الخارجية الكبرى شركات مثل "ألوكا" و"جنرال موتورز" و"كوكا كولا" و"ماكدونالدز" و"وول مارت" و"بروكتر آند جامبل" .
وبالطبع فإن العديد من الشركات تتحوط ضد مخاطر العملات الأجنبية، إلا أن المبالغ تختلف ولا يتم الكشف عنها بصورة عامة . وفي كل الأحوال فقد ألقى المستثمرون نظرة قاتمة على أسهم الشركات الأمريكية التي تعتمد بصورة كبيرة على عملياتها الأجنبية والصادرات .
وفي نفس الوقت جذبت العملة الأمريكية الاستثمارات الأجنبية التي طورت نمو الاقتصادات المحلية ورسخت أساساً متيناً لعملة أقوى . وقد استمر صعود الدولار والاستقرار الذي تشهده الولايات المتحدة في جذب الأغنياء الأجانب إلى الأسواق العقارية بنيويورك وأماكن أخرى على الرغم من أن هناك احتمالية كبيرة بالحصول على عوائد متدنية .
وشجع انتعاش الدولار الاستثمارات الأجنبية في أصول الولايات المتحدة بسبب مكاسب العملة التي فاقت مكاسب غيرها من الأصول . وعلاوة على ذلك فإن تدفق الاستثمارات الأجنبية على الخزانة التي تعتبر ملاذاً آمناً ينافس الدولار والتي تساعد على انخفاض أسعار الفائدة تصب في مصلحة اقتصاد الولايات المتحدة .
وللتأكد من ذلك فإن كافة هذه الافتراضات تذهب إلى القول إن السوق العقارية بالولايات المتحدة علاوة على المحافظ الاستثمارية أكثر جاذبية خلافاً للسائد . وليس من المرجح أن يجذب الدولار العديد من مشتري الأسهم الأجانب في خضم هذه السوق المتدهورة .
ومن المؤكد أن العملة الأمريكية المنتعشة فتحت باب احتمالات الفوائد المتحصلة من المتاجرة في العملة . حيث إن المحافظ التي أتحدث عنها أغلبها بالدولار خلافاً للعملات الأخرى المنكمشة كاليورو والين علاوة على الجنيه الإسترليني والعملات المعتمدة على الصادرات في كندا واستراليا ونيوزيلاندا .
لقد كان الدولار العملة الأساسية للتجارة والاحتياطي منذ الحرب العالمية الثانية ومن المرجح أن يظل كذلك لعقود . إن النمو المطرد في الاقتصاد ونصيب الفرد يصب في مصلحة الدولار . كما أن الأسواق المالية الأمريكية واسعة جداً وتتسم بالشفافية كما هي الحال مع الاقتصاد . وبغض النظر عن انخفاض الدولار منذ العام 1985 فإن مصداقيته لم تبارح مكانها أبداً . كما أنه ليست هناك بدائل فعلية للدولار كعملة عالمية . -

*. نقلاً عن صحيفة الخليج الاقتصادية.